عندما كانت والدتي حاملاً بي، أهداها والدي نسخة من رواية "الكونت دي مونت كريستو" لتقرأها، فأخذتها معها إلى المستشفى حيث ولدت. كانت الرواية بالإسبانية، ولذا كان اسم بطل الرواية إدموندو دانتيس. أحب والداي هذا الاسم، وكان لوالدي عمٌّ يحمل نفس الاسم، فأصبح هذا اسمي. كان لدى والدتي أيضاً كتاب صغير عن أصول الأسماء ومعانيها، وعندما بلغت السابعة من عمري، أخبرتني أن إدموندو يعني "الحامي". كما شرحت لي أنني من مواليد برج الميزان، الذي يرمز إليه الميزان الذي يمثل التوازن والعدالة.
لذا، اسمي إدموندو نورتي، ابن كارلوس فرانسيسكو نورتي ولينورا روبالكافا نورتي. تعود أصول عائلة والدي إلى شمال المكسيك، من ولاية تشيهواهوا، موطن شعب راراموري (تاراهومارا). أما والدتي، فقد وُلدت في أراضي تونغفا (لوس أنجلوس)، بينما كان والداها من بلدة صغيرة في المكسيك على الحدود بين ولايتي ميتشواكان وخاليسكو، الموطن الأصلي لشعبي ناهواتل وبوريبشا. وُلدتُ ونشأتُ في شرق لوس أنجلوس/أراضي تونغفا، وأُعرّف نفسي كشخص من السكان الأصليين من أصول مكسيكية. نما هذا الوعي البسيط بشأن اسمي إلى تقدير عميق للتوازن الداخلي والعدالة الخارجية. كما نما لديّ وعي راسخ وتقدير لصفات المراعاة والرعاية، نابع من تجاربي مع والديّ، أول معلميّ.
كنتُ أركب مع والدي في سيارة شيفروليه قديمة من خمسينيات القرن الماضي، لم نكن نستطيع قيادتها إلا نهارًا لعدم امتلاكنا المال الكافي لشراء مصابيح أمامية جديدة. لم أره قط يمر بسيارة متوقفة على جانب الطريق وغطاء محركها مفتوح دون أن يتوقف ليتأكد إن كان بإمكانه تقديم أي مساعدة. كذلك، أتذكر استيقاظي صباحًا على رائحة مخبوزات شهية، فأركض إلى المطبخ لأسأل أمي عن نوع الفطيرة التي تُعدّها لنا، فتقول لي مثلاً: "لا يا بني، هذه لعائلة السيدة ______. لقد كانت مريضة، وكان أطفالها يعتنون بها بينما زوجها في العمل، وأردتُ أن أفعل شيئًا لطيفًا لهم. الآن وقد استيقظت، تعالَ وساعدني في إيصالها إليهم." مثال آخر على تطبيق هذه القيمة يوميًا في منزلنا هو أننا تعلمنا منذ الصغر أن نتحرك بهدوء أثناء نوم الآخرين، مراعاةً لراحتهم، وهو أمر بالغ الأهمية في شقة مساحتها 550 قدمًا مربعًا.
لذا، فإنّ "المراعاة"، أي تخيّل تجربة الآخرين، والتصرف بوعي استجابةً لاحتياجاتهم، كانت قيمةً رسّختها في نفسي. ولعلّ هذا هو السبب في أنني، كطالبة جامعية (أول فرد في عائلتي يلتحق بالجامعة) في دورةٍ عن التنمية البشرية، تعرّفت على قدرتنا على ما يُسمى بالتعاطف؛ فقد كان هناك صدىً وتواصلٌ عميقان مع هذه القيمة الشخصية التي أحملها في داخلي، ما دفعني إلى اختيارها كتخصصٍ رئيسي، بما في ذلك بعد أكثر من عقدٍ من الزمن في الدراسات العليا في قسم التنمية البشرية وعلم النفس بجامعة هارفارد.
في منتصف التسعينيات، بينما كنتُ أقود سيارتي إلى العمل في أوكلاند وأستمع إلى محطة راديو باسيفيكا المحلية، سمعتُ رجلاً يتحدث عن التدريس في الأحياء الفقيرة بمدينة ديترويت، وعن تعامله مع النزاعات الطلابية هناك، وعن تيسيره للوساطات في الشرق الأوسط بين الفلسطينيين واليهود. ورغم أن قصصه ووجهات نظره بدت لي واقعية وبصيرة، إلا أن ما لفت انتباهي حقاً هو حديثه عن تدريس أسلوب تواصل يُعدّ أيضاً وسيلةً لتنمية قدراتنا التعاطفية! تأخرتُ عن اجتماعي لأنني انتظرتُ حتى نهاية البرنامج الإذاعي لأتأكد من حصولي على اسم هذا الشخص ومعلومات الاتصال به. في غضون أسبوع، طلبتُ كتابين من كتب Marshall Rosenbergومواد أخرى، وبدأتُ الدراسة بمفردي، واستخدمتُها لاحقاً على أكمل وجه في دورات الماجستير المسائية في التربية التي كنتُ أُدرّسها أيضاً. حتى بدون أي تدريب، فإن مجرد إدخال بعض المبادئ الأساسية لـ إن في سي في تجربتنا الصفية وبذل قصارى جهدي لتطبيق هذه الأدوات في علاقتي مع الطلاب قد غيّر جودة تجربتنا، وعمّق جودة تواصلنا مع بعضنا البعض، ووضع المعلمين على طريق تواصل أكبر مع الطلاب في فصولهم الدراسية.
هناك تلك العبارة المقتبسة من كتابات أينشتاين: "لن نحلّ مشاكلنا أبدًا بنفس الوعي الذي أوجدها". إذا أردنا أن نسلك دربًا ذا معنى، دربًا مليئًا بالفرح والطاقة الإبداعية في خدمة الحياة، فإن تنمية حقيقة طبيعتنا المترابطة، وأننا على علاقة مع كل من حولنا، أمرٌ أساسي. هذه هي النظرة الأصلية للعالم التي نحتاج جميعًا إلى العودة إليها، و إن في سي يقدم أدوات تساعدنا على الانتقال من عقلية الاستعمار وأساليبه، إلى طريق "الطريق الأحمر"، أي فهم صلتنا المقدسة بكل علاقاتنا.
بصفتي مدربة معتمدة، أهدف إلى خدمة المجتمعات في مسيرة تحررها من ثقافة الهيمنة واستعادة إنسانيتنا الكاملة، بالإضافة إلى تطوير استراتيجيات تربويةوطرائق ثقافية متوافقة مع الوعي والأدوات الخاصة بمفهوم " إن في سي والتي تنسجم مع أنماط حياة المجتمعات الأصلية. كما أطمح إلى مواصلة التعلم من أقاربي ومجتمعاتي الأصلية الذين يمتلكون مجتمعين ثروة من الخبرات والرؤى، وربما الأهم من ذلك، رؤية للعالم وطريقة للتواصل مع الحياة تتناغم مع طبيعتنا المترابطة ترابطًا وثيقًا - وهو ما يحتاجه عالمنا لفهمه والعيش به، الآن أكثر من أي وقت مضى.